الخميس، 13 نوفمبر 2014

حب خارج المألوف..


تفحص الطبيب ساقاها بإهتمام كبير، ثم أخد مرهما وبدأ بتدليكهما برفق، بينما كانت هي ملقاة على السرير ترتدي فستانا طويلا بنفسجي اللون بأكمام ضيقة و يزينه حزام أنيق عند خصرها المنحوت، و تضع حجابها ذو اللون البنفسجي الفاتح و الرمادي الفضي بشكل منسق للغاية، مما يضفي على حلتها بهاءا وجمالا، و على يمينها يجلس رجل وسيم يلبس قميصا أبيضا و سروالا أسودا، يمسك يدها اليمنى بكلتا يديه محاولا التخفيف من توترها الملحوظ.

نظر الطبيب إليها مبتسما ثم قال: أرجوكي إسترخي...


أجابت : حسنا .. ثم أخدت نفسا عميقا، و أغمضت عيناها ...


بينما شرع الطبيب في تحريك ساقيها برفق وتدليكهما، عادت بذاكرتها لذلك اليوم الذي لن تنساه أبدا.









سماء رمادية متلبدة بالغيوم ونسمات باردة إنه شيء عادي في شهر ديسمبر.


في الشارع الرئيسي وسط المدينة إكتظاظ ملحوظ في حركة السير و جلبة كبيرة، أحدثتها أصوات السيارات .. طوط طوط طوط صف طويل من السيارات ضجر أصحابها من الإنتظار فبدأو بالتزمير معلنين عن غضبهم...


و في نهاية الصف حلقة كبيرة من الناس إلتفوا حول فتاة ملقاة على الأرض الجميع يتطلع إليها بفزع و دهشة ..


و بالقرب منها سيارة سوداء رباعية الدفع يبدوا أنها الطرف الثاني في الحادثة.. صاحب السيارة شاب في مقتبل العمر يترقب الفتاة بذهول تارة يمسك رأسه و تارة يضع يده على فاه... و يتساءل بتوترهل هي ميتة ؟


أرجوكم أجيبوني..


لا أحد يلقي له بالا فالكل مأخوذ ببشاعة المنظر.. فتاة تبدو في العشرينات من العمر غارقة في دمائها.. جبينها ملطخ بالدماء و عدة جروح في سائر و جهها ... و نظرة توسلٍ في عيناها النائمتان كأنها تصرخ بداخلها أرجوكم أنقدوني و لكن لا أحد يتجرأ على لمسها .. لم يكن بوسعهم سوى الإتصال بالإسعاف و الشرطة مرارا و تكرارا...




" شعرت بجسم هائل يرتطم بجسدي و لم أكد أستوعب الأمر نظرا لسرعة الموقف...فقط صوت المكابح مازال يتردد في أذني كغييييييط و بعدها بوووووم فإذا بي أرتطم بالأرض مرتان ...


ألم مريع في سائر أعضائي .. أريد الوقوف و لكن جسمي لا يستجيب لأمري ..عيناي مغرورقتان بالدموع و رؤية غير واضحة و شبه مظلمة و طعم الدم في حلقي و صعوبة في التنفس كأنني أغرق بجسد مكبل ... حتما هذه نهايتي ... و يالها من نهاية ..


أناس مجتمعون حولي يتراءون لي كأشباح تتمايل بكلمات تتطاير ...


إتصلوا بالإسعاف...


يا لها من مسكينة...


إنها تموت ...


دقات قلبي المتسارعة توحي بأنه سيتوقف الأن... أغلق عيناي لكي أتخلص من دوار إستحوذ على رأسي..


فإذا بصورته تشرق في خيالي... إنه حبيبي...حتى و أنا أنازع وجهه لا ينفك يفارقني...


آه من حب دمرني ...


أحقا أنا فكرت أن حياتي تستحيل بدونه ؟


أين إيماني.. أين يقيني .. أين رضائي بقضاء الله و قدره ... ما كنت لأفكر يوما بأن أضع حداً لحياتي


و لكن بعد أن فقدت خليل تمنيت الموت من صميم قلبي و دعوت الله أن يأخد روحي في كل ليلة .. فأنا لم تعد بي حاجة بهذه الدنيا ..."




خليل رجل في ربيعه الثالث و الثلاثين..ذو جسد رياضي, متوسط القامة مع بشرة بيضاء و شعر بني و عينين لامعتين بلون أسود..مسلم أبا عن جد و معتز بدينه... تركي الجنسية و يعمل بإحدى الشركات الكبر ...


تعرفا على بعضهما البعض قبل سنتان أو أكثر عبر أحد المواقع في الانترنيت...في بداية الأمر جمعتهما علاقة صداقة لطيفة مبنية على تبادل الأفكار و مناقشات حول عدة مواضيع و خصوصا الدينية... كانا يستمتعان بالتحدث عن العادات و التقاليد المعروفة في بلد كل منهما و كان الأمر مسليا و مفيدا نظرا لإختلاف بيئتهما...


لم تتصور رحاب أبدا و لو لبرهة أنها ستغرم بهذا الرجل و لم تكن لتفكر في الأمر إذ أنها أبدا لم تؤمن بعلاقات من هذا النوع..


و لكن مع خليل بدا الأمر مختلفا ... كانا يستعملان اللغة الإنجليزية لكي يتواصلا فهي لا تتقن اللغة التركية، و هو لا يتقن اللغة العربية .. فكانت اللغة الإنجليزية الحل الأنسب لكليهما ...


كانا يتحدثان كل يوم كلما سمحت لهما الفرصة بذلك، أصبحا على إطلاع بكل شئ عن بعضهما البعض ، الهوايات، المزاج، الأكل المفضل، الألوان المفضلة، الأصدقاء وكذا أفراد الأسرة، و كل شئ تقريبا.


بعد مرور سنة على تعرفهما أصبح كل منهما جزء من حياة الآخر، غياب أحدهما عن الآخر بات يحدث فرقا و يترك فراغا كبيرا، لا أحد يستطيع ملأه.


مع مرور الأيام إتفقا على الزواج ، بعد أن بدل خليل جهدا كبيرا فقط لكي يتمكن من إقناعها، فقد كانت مصرة على أن الأمر مستحيل و ضرب من الجنون.


أحبا بعضهما كثيرا ..عشق فيها الفتاة الصغيرة، البريئة التي ترى فيه العالم بأسره و أحبت في الرجل الشهم الذي يخاف عليها و لم يحاول أبدا إستغلالها.


تقاسما أفراحا و أحزانا و مشاعر كثيرة، ترددا أحيانا و شك كل منهما في مصداقية الآخر مرات عدة، و لكنهما أبدا لم يستطيعا إنهاء العلاقة، فقد تقاسما سويا أحلاما رائعة و مخططات و أشياء كثيرة، قررا بأن مستقبلهما سيكون واحدا و أن الحياة حتما تخبئ لهما الأفضل.


كانا على علم بأن أهلها لن يقبلوا بهذا الزواج، و لكنهما إتفقا على أن لاأحد يستطيع الوقوف في طريق سعادتهما.


رحاب كانت قد أشارة لوالدتها و أختها ذات يوم بأنها تتحدث مع رجل تركي عبر الانترنيت و أنه يريد الزواج منها.


سألتها والدتها بضع أسئلة عن خليل، و بعدما حصلت على إجابات لأسئلتها قالت: خير إن شاء الله.


و غيرت الموضوع دون أي تعليق، مما جعل رحاب تتأمل كثيرا حيث أن أمها لم توبخها و لم تأمرها بقطع علاقتها بخليل و هذا أمر مفرح بالنسبة لها.


و لكن المسكينة لم تدري أن أمها لم تلقي بالا لكلامها، إذ أنها كانت متأكدة بأن الموضوع لن يتم أو إن صح القول هي مجرد نزوة عابرة.




قبل 3 أسابيع من الحادث...



تشير الساعة إلى الثانية عشرة صباحا، و رحاب منعزلة في غرفتها و تبدو غاضبة، تلقي نظرة على هاتفها، لا تجد رسائل جديدة في الواتس آب، فترميه بعيدا و بعد أقل من خمس ثواني تعيد الكرة.


متوترة للغاية فهي لم تتلقى الرسائل الصباحية التي تتلقاها من خليل يوميا.


بعد برهة هاتفها يرن .. فتنقض عليه سريعا لتجيب...


ألو...


خليل: ألو رحاب ..كيف حالك عزيزتي؟


رحاب: بخيرالحمد لله..


خليل: إشتقت إليك كثيرا...


رحاب: آه واضح .. لذلك لم تراسلني هذا الصباح... (بصوت فيه شئ من المعاتبة و بعض من الحزن وفيه دلال..)


خليل: هممم وردتي غاضبة مني إذا، آسف عزيزتي .. حقا كنت مشغولا للغاية، على العموم لدي أخبار رائعة،


حتما ستصفحين عني عند سماعها.


رحاب :(بإستغراب و فضول) هيا قل عساه خيرا ..


خليل:(بحماس كبير) حصلت على تذكرة الطائرة و قد حجزت بفندق بمدينتك .. و بعد أقل من شهرسنكون سويا إن شاء الله...


رحاب :تصرخ فرحا و أخيرا حقا إنه خبر رائع .. أنا سعيدة للغاية .. آه كم أتمنى أن أغمض عيناي لأفتحها فأجدك أمامي عزيزي...


استمرا على ذلك الحال ما يقارب 10 دقائق يتحدثان بفرح و سعادة.. يحلمان و يخططان و يلونان حديثهما بأحلى و أعذب الكلمات...


فإذا برحاب تهمس فجأة... مهلا...


خليل: ماالأمر ؟؟


رحاب: يجب أن أخبر أهلي أنك قادم إذا...؟


خليل: بالطبع عزيزتي.. أمك على دراية بالموضوع .. حسنا فلتخبر هي أباكي و باقي الأسرة...


رحاب : إني حقا متوثرة .. أنت تعلم حجم الضغط الذي أشعر به عندما أفكر في الأمر..


خليل: لاتقلقي عزيزتي .. سآتي لمنزلك عندما يأذن لي والدك ،و سأعمل ما بوسعي لأقنعه بزواجنا و حتما سيقبل .. أنا لا أستطيع العيش بدونك ولن يجد رجلا بعده يخاف عليك مثلي ..سأفديك بروحي


رحاب : إن شاء الله سيقبل، فما من مانع لزواجنا .. و أنا لا أستطيع مجرد التفكير في إحتمال عدم زواجنا...


خير إن شاءالله ...


و أنهيا الإتصال...


كانت متوثرة للغاية ، بقدر سعادتها بإقتراب موعد لقائها بخليل، بقدر ما كان خوفها شديدامن ردة فعل أباها خصوصا. فقررت أن تستمر في صمتها إلى أن يقترب موعد قدوم خليل ..و حينها تخبر أهلها بالموضوع.




وصلت الإسعاف أخيرا، نزل أربعة رجال من سيارة الإسعاف بسرعة و بدأو يطالبون الناس بالإبتعاد و إفساح الطريق لهم ليتمكنوا من القيام بعملهم ...


وصلوا للفتاة الغارقة في الدماء .. عاينها أحدهم و فتح عيناها متفحصا ثم تمتم مازالت على قيد الحياة..


وضعوها فوق إزار لحملوها به بحذر شديد فوق سرير متحرك .. ثم أدخلوها سيارة الإسعاف لبدأو إسعافاتهم الأولية .. فإنطلقت السيارة بسرعة كبيرة صوب المستشفى لعلهم ينقدون حياة شابة تبدو في مقتبل العمر ..



قبل أربعة أيام من الحادثة...



إنتهزت رحاب فرصة إنفرادها بأمها في المنزل وطلبت منها أن تصغي لما ستقوله نظرا لأهمية الموضوع...


كانت والدتها ممسكة بكتاب صغير، لم تكن بعد قد بدأت بقرائته، وضعته جانبا لما رأت من جدية بادية على وجه إبنتها على غير عادتها، جلست رحاب متقابلة مع أمها في توتر . وبدأت بالحديث دون مراوغات.




رحاب : أمي كنت قد أخبرتك سابقا عن محادثتي لشاب تركي يرغب الزواج مني، حسنا إنه سيكون هنا بعد 3 أيام و سيطلب إذنكم ليتقدم رسميا.


صعقت الأم في مكانها.


الأم :رحااب.. هل كنت تتحدثين مع هذا الشاب طيلة هذا الوقت؟


رحاب: (عيناها في الأرض) نعم يا أمي و لقد قرننا الزواج.


الأم مذهولة غير قادرة على إستيعاب الأمر.. أسئلة كثير تدور في ذهنها ... أين كانت ..كيف لم تنتبه لإبنتها .. كيف لم تلاحظ شيئا ...


الحب عاادة يفضح صاحبه الذي يعجز عن إخفاء سعادته عن الآخرين ... كانت رحاب متلئلئة .. يشع بريق الحب من عيناها البنيتان و إبتسامتها الناصعة البياض ... كانت تطير كفراشة على مر سنتين .. كانت في عالم غير الذي هم فيه .. كانت في كل يوم تبدو أجمل و أبهى لا تغادر البيت إلا وهي في قمة أناقتها ... كأنها في كل يوم على موعد مع الحب...


ولكن لم يتسائل أحد عن سبب سعادتها ... إحتمال أنها عاشقة كان شبه مستحيل ...


فهي أبدا لم تتأخر في عودتها للبيت ... أبدا لم تطلب قضاء نهاية الأسبوع بمفردها ... لم يكن هناك دليل على أنه يوجد رجل بحياتها...


لم يعلموا أن خليل كان سبب حبها للحياة و في نفس الوقت سبب إستغنائها عن الحياة ...


كانت مستغنية عن كل شئ في الحياة بوسعها أن تقوم به بمفردها ... على أمل أنها ستعيشه يوما ما مع رجل حتما سيغدو زوجها...


إستمرحديثها مع والدتها ما يقارب ساعة و نصف ... كانت أمها تحاول معرفة أدق التفاصيل... كانت مشوشة و مصدومة و غير مستوعبة ... بعد أن حصلت من إبنتها على أجوبة لكل أسئلتها ...


قررت أنها ستفاتح زوجها بالموضوع قبل قدوم خليل و وقوع الكارثة...


لم تنم رحاب تلك الليلة و خليل كذلك .. إذ أنها سردت له كل ما دار بينها و بين أمها من حوار...و حاول تهدئتها و إقناعها بأن كل شئ سيكون على ما يرام ... و لكن هو نفسه لم يكن مرتاحا و لا متفائلا ....


ضلت طوال الليل تتقلب في فراشها ... إحساسها كان صائبا لن يتقبل والداها فكرة زواجهما...


ظلت تتخيل ردة فعل أبيها و نهايات شتى لقصة حبها، ودعت الله أن يفرج همها و يساعدها.


إستيقظت في السابعة صباحا برأس مثقل و مضطرب لقلة نومها ... فهي لم تستسلم للنوم إلا بعدالفجر ...


إستحمت بسرعة لتستعيد بعضا من نشاطها لمواجهة يوم حتما سيكون طويلا و متعبا ...


ذهبت إلى المطبخ لتتمكن من الإستمتاع بفنجان قهوة يعيد دوزنتها ... و بعدها أكلت بضع قطع من الشوكلاته التي دائما ما ترفع مؤشر نسبة سعادتها عاليا .


إنسحبت إلى غرفتها حيث قررت البقاء إلى أن تدب الحركة في البيت الذي مازال غارقا في سباته...


بعد أقل من ساعة وصلها نداء من والدها حملته لها أمها..


نصحتها أمها أن تستمع لما سيقول والدها الذي هو أدرى بمصلحتها .. و أخبرتها بأنه مهماسيقول فإنه فقط لمصلحتها... لم تكن رحاب تصغي لأمها ... بل كانت ترتب جملا في ذهنها ستدافع بها عن نفسها ...


ذهبت إليه فإذا به متوتر للغاية و نظراته تشع غضبا..


قالت له بعفوية .. صباح الخير بابا..


لم يرد على تحيتها بل باغتها بسؤاله ... هات ما عندك ؟


لم تتفوه بكلمة ... ظلت نظراتها في الأرض و سألها مجددا هل ما قالته والدتك صحيح؟


تمتمت رحاب: نعم


فإذا به يقول: إسمعيني يا رحاب .. سأغض النظر عن كونك إستغفلتني و إستغفلت العائلة بأكملها... و إستعملت الأنترنيت للتحدث مع رجل غريب.. و سمحت لنفسك بالتمادي في هذا العمل الشنيع لمدة سنتان ..


تحاول رحاب التحدث : أبي إني...


فيقاطعها بصوت مرتفع : أصمتي الأن .. و دعيني أكمل كلامي..


إنسي هذا الموضوع كليا .. و أنا بدوري سأحاول أن أتناساه و سأتصرف كأني لم أسمع شيئا من هذه التفاهات ..


و إحمدي الله ليلا و نهارا أنني لم أرتكب فيك جريمة ..فقد تجاوزت كل الحدود..


لا تحلمي يوما بالزواج من أجنبي..


و مادمت تفكرين في الزواج .. سأجد لك عريسا و لننهي هذه المهزلة..


إقطعي إتصالاتك بذلك الوضيع ... و لا تضطريني لقطعها بطريقتي..


هيا إنصرفي الأن..


صعدت رحاب غرفتها و هي تجري .. دموعها تغرق وجهها ..تشعر بالإختناق و ألم مريع في حنجرتها... كأنما هي الكلمات التي أرادت أن تدافعبها عن نفسها لازالت عالقة بحنجرتها..


أغلقت باب غرفتها و إرتمت فوق سريرها تبكي حظها المشؤوم ...


بكت بحرقة و قهر كبير و هي تردد.. أنا لم أستغفلكم ..أنا لم أرتكب عملا شنيعا .. أردته فقط زوجا لي و أبا لأطفالي...


لم تستطع التوقف عن البكاء.. ألم كبير كان يمزق قلبها..مجرد التفكير في أنها خسرت خليل يشعرها بأن حياتها انتهت..


جالسة فوق سريرها تعانق ركبتيها . شعرها مفرود .. و خصلات منه تغطي وجهها .. صداع فضيع يكاد يحطم رأسها.. و عينيها متورمتان بكثرة البكاء وتنظران في اللاشيء...

و فجأة سحبت هاتفها .. و شرعت في حذف كل حساباتها الخاصة بالإنترنيت من فيس بوك و التانكو و كذلك الواتس آب...


و بعدها فتحت الجي مايل و كتبت رسالة لخليل…




مرحبا خليل... لا أعلم من أين أبدأ و لكن أرجوك سامحني..فقط سامحني هذا ما أتمناه ..


قد وعدتك بأني لن أتخلى عنك أبدا.. و ها أنا أفعلها الآن و لكني و الله مكرهة على فعل ذلك..


صدمني والدي بردة فعله, كان قاسيا معي و كلماته جرحتني كثيرا..


لا مجال للتفكير في الأمر فقد كان أبي واضحا و صارما ..


فقط لو تعلم كم أحتقرني في هذه اللحظة لأني أتخلى عنك في أول مشكلة واجهتنا ..


و كم أكره العادات و التقاليد التي جعلت مني فتاة ساذجة لا تجرأ على النظر في عيني والدها لتدافع عن حبها الأول و الأخير..


و عدتك بأننا سنواجه الناس جميعا للحفاظ على حبنا الكبير..


و لكني لا أستطيع أن أكون معك ضد أبي ... و أظنك لن تحترم يوما فتاة وقفت بجانبك ضد أبيها ..


أقسم أنك لم تكن مجرد إسم مر بحياتي .. بل كنت و ستبقى كل حياتي..


فقط سامحني ..


لقد حذفت جميع حساباتي أرجوك لا تحاول الإتصال بي..


أتمنى لك التوفيق.




بدأت تمحو من هاتفها كل الرسائل الخاصة بخليل و مع كل رسالة تمحوها دموعها المرة تنهمر كأنها شلال..


أرادت أن تمحو صوره و لكنها لم تستطع و تركتها في ملف مشفر لعلها تفتحها يوما حينما يذبحها الحنين..


أغلقت الهاتف و سحبت بطاقة الإتصال و كسرتها و رمت بالهاتف في أحد الأدراج...


وقضت أتعس ليلة في حياتها .. لاهي نائمة ولا هي مستيقظة ..




حل الصباح.. و أشرقت شمس ذهبية دافئة .. و لكن رحاب لم تشرق كعادتها .. إستيقظت باكرا للذهاب للعمل.... كانت الأحزان بادية على محياها.. غيرت ملابسها و حاولت أن تخفي بالمساحيق ما يمكن إخفاءه من حزن و تعب.. وضعت حجابها و حملت حقيبتها و غادرت غرفتها..


هي التي كانت لا تستطيع مغادرة البيت إلا و هي في كامل أناقتها.. ها هي اليوم تخرج من البيت غير آبهة بما ترتديه.. أهم شيء بالنسبة لها الآن هو نظارة شمسية تخفي ورائها عينان من المحتمل أن يخذلاها في أي لحظة و يسيلان بالدموع..


و همت بالخروج .. فإذا بأمها توقفها عند الباب تريد أن تطمئن عليها .. أخبرتها بأنها بخير و أنها قد تجاوزت الأمر ..


عندما خرجت إتصلت بمديرها في العمل و طلبت إجازة كونها مريضة للغاية ولا تستطيع المداومة.. وافق مديرها و تمنى لها الشفاء..


بحالتها النفسية والجسدية تلك لم يكن بإستطاعتها مخالطة زملائها بالدوام ..


لم تكن ترغب بأن تسمع كلمة"ما بك" فهي كمن يضغط بأصبعه على جرح عميق..


إستمرت بالمشي طيلة اليوم لم تعلم ماذا تريد أو إلى أين تذهب ..


تفكر فقط في حياتها التي إنقلبت و في حبها الكبير الذي خسرت بين ليلة وضحاها..


تحتقر نفسها كثيرا بسبب الطريقة التي أنهت بها علاقتها بخليل فهي لم تترك له مجالا للرد .. و لن تعرف أبدا ردة فعله كيف كانت..


لم تملك الجرأة للإتصال به هاتفيا و إخباره بكل ما قالته في الرسالة...


في نفس الوقت خافت بأن تكون ردة فعله عادية و أن يتقبل خسارتها بدون حزن أو إنفعال و ألا يحزنه فراقها .. و يسعى بعد أيام للتعرف على فتاة أخرى...


أمضت اليوم كله على ذلك الحال.. أفكار كثيرة و مشوشة..


لم تأكل ولا لقمة واحدة طيلة اليوم .. ألقت نظرة على ساعتها اليدوية فإذا بها تفاجأ بمرور الوقت الذي لم تشعربه..

و عادت للبيت كأنها حقا كانت في العمل.. ظلت منعزلة في غرفتها مستلقية في سريرها و تنظر في سقف الغرفة بتمعن كبير .. تأتي أمها لتطمئن عليها فتجدها في ذلك الوضع .. فتعود أدراجها لتتركها ترتاح..
في المساء .. تقف أختها شيماء أمام باب الغرفة ...
و تقول: رحاب.. هيا عزيزتي لتناول العشاء..
ولكن رحاب لا تجيب ..
شيماء: (بإستغراب ).. رحاب هيا..
إقتربت منها شيماء بقلق و حركتها بلطف .. رحاب مابك...
و أخيرا تستجيب لها .. هاا ما الأمر..
شيماء: ألم تسمعيني .. ناديتك كثيرا .. هيا العشاء جاهز ..
أجابتها حسنا سآتي ..
غسلت و جهها و رتبت شعرها لعلها تبدو بحال أفضل ..ثم إنضمت إلى الأسرة في المائدة حيث يخيم جو مكهرب .. الأب يتطلع في رحاب كأنما يريد أن يفسر حالتها... هل هي سعيدة أم حزينة.. ولكنه لم يتوصل إلى جواب .. إذ أنه لم يتمكن من النظر في عينيها مباشرة فهي لم تنظر إليه و لو بالصدفة.. كان نظرها موجها تماما نحو طبقها.. تحتسي القليل من الشوربا فقط لكي لا تثير الأنظار..متظاهرة بأنها على ما يرام .. بعد فترة إستأذنت و صعدت لغرفتها ..
وقفت أمام المرآة تتفحص ملامحها بأناملها كأنها ترى شبحا .. وجهها أصفر و شفتاها شاحبتان و عيناها ذابلتان و سواد ظاهر في جفونها.. كأنها كبرت 10 سنوات .. مصدومة من الحالة التي آلت إليها..
أين اللمعة الفاتنة في مقلتيها .. أين الشفتان الفتيتان الورديتان .. أين الخدود الطرية النضرة.. و أين الإبتسامة الساحرة..
تذكرت سبب تعاستها الآن الذي كان قبل أيام سبب فرحها و حبها للحياة... فإذا بالدموع تحرق خديها من جديد .. ألم كبير يعتصر قلبها المكسور و تردد بحرقة .. يا إلهي كيف لي أن أنساه ؟..
و تذهب لسريرها تتوسل النوم أن يرأف بحالتها ويزورها الليلة و ينسيها كل الأحزان..


يوم الحادثة...


إستيقظت صباحا كما العادة و غيرت ملابسها و تستعد للخروج كأنها ستذهب إلى العمل ... ولكن في الحقيقة لن تذهب إليه.. فجرحها لم يلتإم بعد و عقلها لم يستوعب بعد كل ما جرى .. و ليس في مقدورها الظهور للناس بنفس طلتها المعهودة .. شيء ما بداخلها إنكسر .. لم تعد قادرة على تذوق الحياة.. صارت كمن يرتدي نظارة سوداء .. لا يرى بها الألوان .. كل شيء يبدوا أسودا و لا حياة فيه..
صادفتها والدتها عند الباب .. دعتها للإفطار قبل المغادرة.. تحججت رحاب بأنها متأخرة ..
فإقتربت منها أمها و ضمتها برفق و هي تطبع قبلة على خدها ووصتها بأن تتناول شيئا أثناء طريقها للعمل ..
تمنت رحاب لو أن أمها ضمتها لصدرها بكل قوتها فبين ذراعيها فقط كانت دائما تشعر بالأمان.. و لكن أمها لم تفعل .. و رحاب لم تطلب ذلك.. إنصرفت و هي تحاول التماسك لكي لا تنهار أمام والدتها.. غدت أحاسيسها مرهفة للغاية .. تتأثر و تبكي لأبسط الأسباب..
كان الجو كئيبا وشبه بارد يعلن عن قدوم المطر ..مما زاد من سوء حالتها النفسية.. فهي تعشق الشمس و السماء الزرقاء.. إستمرت بالمشي دون أن تدري أين وجهتها .. تمشي و شريط حياتها يمر أمام عينيها.
تفكر في أحلامها الضائعة،و في من كان سيغدو أبا لأولادها ،تفكر في إبنهما الأول إبراهيم ، و كيف كانا يحلمان بتربيته ، تفكر في كل شيء كانت ستعيشه و إياه .. متأكدة بأن كل شيء كان ليكون رائعا رفقة خليل ، لم تفكر يوما أنه من الممكن أن تكون مجرد حالمة، و قد يتغير خليل بعد الزواج و يجعل حياتها جحيما.
كانت مستعدة لتقديم التنازلات لكي لا يفترقا أبدا، و كانت متأكدة بأنه كان سيعاملها بالمثل و سيفعل المستحيل ليجعلها سعيدة مدى الحياة.
تهم رحاب بعبور الشارع الرئيسي وسط المدينة دون أن تنتبه للسيارة القادمة بسرعة يصعب معها التحكم في المكابح .. فتلتفت أخيرا بفزع ولكن بعد فوات الأوان ...


وصلت الإسعاف أخيرا للمستشفى و أدخلوها غرفة العمليات..


كانت الشرطة قد حصلوا على المعلومات الخاصة بها و إتصلوا بأهلها لإخبارهم عن الحادث الرهيب..


في الوقت الذي كانت فيه رحاب بين الحياة و الموت،و كان أهلها في حالة يرتى لها، يتمنون فقط خروجها من غرفة العمليات و هي سالمة.


كان خليل قد وصل إلى الفندق الذي حجزه من قبل في نفس مدينة حبيبته رحاب.



عندما تلقى خليل رسالة رحاب .. تألم كثيرا و جن جنونه، لأنها لم تترك له وسيلة يتواصل بها معها. شعر بالخدلان و العجز و لكنه قرر بأن لا يتخلى عنها .. فهولا يستطيع البدء من جديد.. وافقه أبواه الرأي و شجعاه على أن لا يلغي سفره و يدافع عن حبه حتى النهاية.




بعد أن إستلقى قليلا في سريره .. إستحم سريعا وغير ملابسه .و طلب سيارة أجرى لتأخده لعنوان رحاب.


كان متوترا للغاية .. أخبره السائق بأنه قد وصل.


ذهب خليل ناحية البيت نظر في الورقة الصغيرة ليتحقق من رقمه .. أخد نفسا عميقا و دق الجرس، لم يُفتح له الباب.. و دق مرة تلوى الأخرى، فعلم أنه لا يوجد أحد بالبيت و عليه الإنتظار.


إنتظر ما يقارب ساعتين و لم يأت أحد للبيت .. لم يستطع تخمين سبب غياب الجميع .. قرر أن يعود للفندق ليرتاح، و يعود في المساء.




و أخيرا أخرجوا رحاب من غرفة العمليات و نقلوها إلى العناية المركزة و لم يسمحوا لأحد بزيارتها..


توسلت أمها للطبيب بأن يخبرها أن إبنتها بخير وأنها ستعيش.. و قال لها : سيدتي أرجوك تماسكي .. لقد قمنا بما في وسعنا القيام به،إدعي لها الله بأن تصحو في أقرب وقت.


و أضاف: بإمكانكم المغادرة الأن و العودة في الصباح الباكر. وقوفكم هكذا لن يساعد في شيء .


الأب: نعم الطبيب معه حق.. فلتعودي أنت و شيماء للبيت و سأبقى أنا هنا.


رفضت الأم في البداية و لكن بعد إلحاح زوجها..وافقت على الذهاب.


ظل الأب يتطلع في إبنته الصغيرة من خلف الزجاج وهي تحت رحمة جهاز التنفس.. إغرورقت عيناه بالدموع .. فشعوره بالذنب كان يذبحه..خصوصا عندما أخبره رجال الشرطة بأن الحادث كان بسبب رحاب.. فقد عبرت الشارع و هي شبه غائبة عن الوعي.


عندما وصلت الأم و ابنتها شيماء للبيت عند الساعة التاسعة مساءا كانتا في غاية الحزن. و دخلتا غرفة رحاب، لا لشيء فقط ليشعروا بتواجدها معهم. بكت الأم بحرقة و هي تدعوا الله أن يعيد لها إبنتها وهي في أفضل حال.. و بكت شيماء و هي تطلب من أمها التماسك. و فجأة يدق جرس البيت مرتين.. فتذهب شيماء لترى من الطارق ..


تفتح الباب لتجد أمامها رجلا أنيق المظهر، يبتسم قائلا باللغة الإنجليزية: مرحبا. هنا بيت الآنسة رحاب ناجي؟ هل تتحدثين الإنجليزية؟


ترد شيماء بتوثر. ااا نعم .. من حضرتك؟


يجيبها: أنا خليل من تركيا جئت لأتحدث لوالدك بخصوص رحاب، هل هو موجود؟


شيماء: بحزن شديد.. و أين هي رحاب؟ إنتظر أرجوك سأخبر والدتي بقدومك.


خليل: (دون أن يفهم قصد شيماء) حسنا.


ذهبت شيماء بسرعة و أخبرت أمها بالموضوع، نزلت الأم لرؤية خليل و دموعها تغطي وجهها الحزين.


ما إن فتحت له الباب حتى إصفر وجهه إذ أنه تنبأ بحدوث أمر جلل مما جعل الأم تبدو بهذه الحال.


إنحنا ليقبل يدها، فأفلتتها منه


سألهما ما الأمر؟ طلبت الأم من شيماء أن تخبره بالحقيقة.


صُدم خليل كثيرا عندما علم بالحادث،شعرب بالدوار. حبيبته التي جاء من أجلها متحديا العالم بأسره،هي الآن بين الحياة والموت. توسلهما لإعطائه عنوان المستشفى.


أعطته شيماء العنوان و ترجته بأن لا يفتعل المشاكل مع والدها.

بعد أن وصل للمستشفى صعد للطابق الذي توجد به رحاب. فإذا به يلمح رجلا في الخمسينات من عمره يبدو متعبا للغاية يتكأ على الحائط و ينظر في الأرض.
لم يتحدث إليه خليل، ذهب مباشرة للغرفة حيث توجد رحاب و أخد ينظر إليها من خلف الزجاج فإذا به غير قادر عن التماسك..إنهمرت دموعه بغزارة و هو يحاورها .. أنا هنا يا رحاب، جئت من أجلك و ها أنت تريدين تركي، أرجوك لا تتركيني، أين وعودك لي؟ يا إلهي يا إلهي لا تأخد مني رحاب أرجوك..



عندما يجد الرجل الحب الحقيقي،لا يتقبل خسارته، يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة. خليل وجد حبه الحقيقي و ها هو يخسره. نسي بأنه لا يليق بالرجال البكاء. بكى كطفل يريد أمه.
ظل والدها مصدوما و هو يرى رجلا في كامل أناقته و هيبته يبكي بحرقة، و يناجي إبنته الصغيرة و يرجوها ان لا تموت. من لغته الإنجليزية إستنتج أنه الرجل التركي الذي أراد الزواج من رحاب.

لم يحرك الأب ساكنا و لم يحاول التدخل، بعد برهة إسترخى خليل و حاول أن يمسح دموعه، أخد نفسا عميق و إستدار ناحية الأب.
إقترب منه: (مد يده مصافحا) أنا خليل ، أظنك والد الآنسة رحاب؟
الأب: أهلا، نعم أنا والدها.. وتصافحا.
خليل: آسفة لما جرى، لا أدري ماذا أقول، أخبرتني رحاب برفضك زواجنا، و لم تعطني فرصة لإخبارها بأني لن أتراجع عن قراري و سأثبت للجميع أني لست رجلا سيئا (نظر في عيني الأب بكل جرأة) و أضاف..ماذا قال الطبيب عن وضع رحاب؟
الأب بإنكسار يقول: لقد فعل الأطباء ما في وسعهم، و يجب أن ننتظر الآن.. و إحتمال أنها قد لا تصحوا أبدا كبيرجدا ..
خليل : رحاب قوية يا عمي و حتما ستقاوم، و سأتزوجها وأعدك أني سأجعلها أسعد النساء.
الأب : لا أريد الآن سوى أن تنجو إبنتي و أراها تضحك كما في السابق.

ظلا على ذلك الحال ما يقارب الساعتين.. يتبادلان أطراف الحديث تارة، و يصمتان تارة أخرى. طلب الأب من خليل المغادرة ليرتاح، و لكنه رفض و أمضيا الليلة سويا، قلب كل منهما يتمنى و يدعوا بأن تستفيق رحاب.

في الصباح الباكر كان الجميع ينتظر بتوتر خرج الطبيب من غرفة رحاب و أخبرهم بأنها قد تجاوزت مرحلة الخطر، فرح الجميع كثيرا و تنفسوا الصعداء..

بعد مرور ثلاثة أيام غدت رحاب في حالة طبيعية تخول لها التحدث و إستقبال الزوار.. دخلت أمها و أباها و أختها شيماء للإطمئنان عليها، غمروها بحبهم و أخبروها بخوفهم الكبير عليها، شعرت بدفئهم و محبتهم مما جعلها تشعر براحة كبيرة أنستها جل آلامها..

أمسك والدها يدها و أخبرها عن قدوم خليل، و شهامته ووقوفه بجانب الأسرة بكاملها طيلة الوقت .. كانت رحاب تنصت لكلمات والدها و قلبها يخفق بقوة و كأنها في حلم.. و في النهاية سألها إذا كانت ترغب بلقائه. و الأكيد أنها تتمنى رؤيته كثيرا.

ذهب والدها لمناداة خليل.. دق قلبها بشدة، تمنت لو أمكنها النظر في المرآة و ترتيب شكلها فحبيبها هنا و الأروع أنه وسط أهلها و هم راضون عنه كل الرضا، دخل خليل ممسكا بباقة ورد حمراء ، نظره معلق بها، ينظر إليها بشغف و حب كبير ، لم ينتبه للجروح التي تملأ وجهها الصغير، كان مغرما حد الجنون هي أميرته و جميلة الجميلات في كل الأحوال. و هي كادت تطير فرحا ، عندما لمحته بطلته البهية و إبتسامته الساحرة.
وضع باقة الورود بالقرب منها وسألها بلطف عن حالها .. أجابته بخجل واضح بخير الحمد لله، شكرا لك.
شعر خليل بحرجها و قرر أن لا ينتظر أكثر و قال: عمي إسمحلي أن أطلب منك يد رحاب، إذا وافقت هي طبعا. و نظر إليها فإذا بها غارقة في خجلها. أخبره والدها بأنه موافق و أن الأمر يعود لرحاب. سألها والدها عن رأيها فإحمرت وجنتاها خجلا و قالت : كما تريد بابا.

ضحك الجميع من خجلها و زغردة والدتها ناسية بأنها في المستشفى، دسّ خليل يده في جيبه و أخرج علبة صغيرة على شكل قلب و لونها أحمر فتحها فإذا بخاتم رائع يتلألأ داخلها، فألبسها إياه. 
جاء الطبيب ليطمئن على مريضته فوجد عيناها تشعان فرحا. فحصها و عاين ضغطها .. فجأة سألته رحاب إن كان عدم إحساسها بأطرافها ناتج عن المخدر؟ فصعق الطبيب في مكانه ، فحص قدميها و وخزها بالإبر و لكنها لم تشعر بأي شيء، و حينها أخبرهم متأسف بأن رحاب فقدت قدرتها على المشي. عاد الحزن من جديد يسيطر على الجميع.
تماسكت رحاب و طلبت منهم تركها بمفردها، و أخدت تفكر في سخرية الحياة ، كيف كانت قبل ثوان تلبس خاتم سعادتها و ها هي الآن ستخسره من جديد، لن يرضا خليل الإرتباط بها و هي مقعدة.

مر أسبوعان وغادرت رحاب المستشفى بكرسيها المتحرك، لكنها راضية بما كتبه الله لها لن تتذمر هذه المرة، فقد تعلمت الدرس جيدا، لن ترى في الحياة سوى ما كتبه الله لها.

إنشغل عنها خليل كثيرا خلال الأسبوع الأخير مما جعلها تعتقد أنه يفكر في التخلي عنها، ولكنها كانت مستعدة لأي شئ فهي لن تقبل بأن تعيش عالة عليه.

زارهم خليل بعد مرور يومين، أخبرهم بأنه يريد تحديد موعد للزفاف في أقرب وقت. رفض الأب قائلا بأن حال رحاب لا تسمح لها بالزواج حاليا كما أنها ما تزال بحاجة للراحة و العلاج.


خليل يقول و كله حماسة: عمي أرجوك إسمعني لقد أخدت موعدا مع طبيب مشهور بألمانيا، أخبرته قصتها ووافق على أن يجري لها العملية الشهر المقبل. إنها فرصة ذهبية و لا تعوض.


بدا والدها مترددا: رحاب ما رأيك؟


أجابته رحاب بأنها تثق في خليل و لكن القرار يعود لهم فهم أهلها و أدرى بمصلحتها.. تشاور الأب مع زوجته التي أيدت فكرة خليل.




بعد أيام أقيم لهما حفل صغير، حضره المقربون من العائلة، لم تستطع رحاب الوقوف و المشي بجانب زوجها الوسيم، ولكنها إستطاعت الإشراق بأبهى حلة كأميرات الحكايات. كانت سعيدة للغاية فقد تحقق حلمها، و ها هي اليوم تزف لرجل لم يخذلها و أثبت للجميع أنه أهل للثقة.


سافرا سويا لألمانيا وعاشا أياما سعيدة لن تنساها أبدا، لم يشعرها أبدا بالعجز، و يعبر لها عن مدى سعادته بقربها كلما سمحت له الفرصة بذلك.




خضعت للعملية و أمرها الطبيب بأن لاتنزع الضماضات و أن لا تحاول تحريك قدميها مدة 3 أسابيع.






إنقضت الأسابيع الثلاث و هاهي اليوم مسترخية بينما الطبيب يقوم بتدليك قدميها و يحركهما بلطف،سعادتها لا توصف إذ أنها تستشعر ساقيها من جديد.




إنتهى الطبيب فطلب منها الجلوس لتستعد للمشي من جديد. أمسك خليل يدها ووضع يده على خصرها لكي تستند عيه، مشت بخطوات متعثرة و بطيئة كأنها فتاة صغيرة تعلمت المشي للتو، شكرت الله كثيرا و أخبرت الطبيب عن مدى إمتنانها له، و ضمها خليل إليه بكل حب، أفصحت له عن مدى سعادتها بوجوده في حياتها و أنها أبدا لن تنسى وقوفه بجانبها..


إبتسم خليل وإتصل بوالدها ليبشره بالخبر السعيد.




25/02/2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق